الصالحي الشامي

419

سبل الهدى والرشاد

فمر بعبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم وهو في ظل أطم وفي مجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان ، واليهود في مجلس عبد الله بن رواحة . فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا . فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف فنزل فدعاهم إلى الله فقرأ عليهم القرآن وحذر وبشر وأنذر فقال له عبد الله بن أبي : " يا أيها المرء إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا فلا تؤذونا به في مجلسنا ، وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه " . قال : فقال ابن رواحة : بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فهو والله مما نحب " . فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون . فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا . فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته حتى دخل إلى سعد بن عبادة ، فقال له : " أي سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب " ؟ يريد عبد الله بن أبي . فقال سعد : " يا رسول الله أعف واصفح فلقد أعطاك الله ما أعطاك ، ولقد اجتمع أهل البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه ، فلما رد ذلك بالحق الذي أعطاك شرق ، فذلك الذي فعل به ما رأيت " ( 1 ) . وعن أنس رضي الله عنه قال : قلت : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبي ؟ فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فركب حمارا ، وانطلق المسلمون يمشون ، وهي أرض سبخة . فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إليك عني فوالله لقد أذاني نتن حمارك . فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك . فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه ، وغضب لكل واحد منهما أصحابه ، فكان بينهم ضرب بالجريد - وفي لفظ بالحديد - والأيدي والنعال ، فبلغنا أنه أنزل فيهم ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) ( الحجرات 9 ) . رواه الشيخان . قال ابن إسحاق : وقال عبد الله بن أبي حين رأى من خلاف قومه ما رأى : متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل * تذل ويصرعك الذين تصارع وهل ينهض البازي بغير جناحه * وإن جذ يوما ريشه فهو واقع ومنهم أبو عامر الفاسق واسمه : عبد عمرو بن صيفي بن النعمان الأوسي أحد بني ضبيعة بن زيد ، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة . وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ، فكان يقال له الراهب . وكان شريفا مطاعا في قومه فشقي بشرفه وضره . ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبو عامر قبل أن يخرج إلى مكة فقال : يا محمد ما

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 7 / 154 ومسلم في كتاب الجهاد ( 116 ) وأحمد في المسند 5 / 203 وعبد الرزاق ( 9784 ) والطبراني في الكبير 6 / 67 .